مجمع البحوث الاسلامية
462
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
تعارض بين هذه الآيات : لاختلاف المراد بالإحكام والتّشابه في مواضعها ، بحسب ما تقتضيه المقامات . وسبب وقوع المتشابهات في القرآن ، هو كونه دعوة ، وموعظة ، وتعليما ، وتشريعا باقيا ، ومعجزة ، وخوطب به قوم لم يسبق لهم عهد بالتّعليم والتّشريع ، فجاء على أسلوب مناسب لجمع هذه الأمور ، بحسب حال المخاطبين الّذين لم يعتادوا الأساليب التّدريسيّة ، أو الأمالي العلميّة ، وإنّما كانت هجّيراهم الخطابة والمقاولة ، فأسلوب المواعظ والدّعوة قريب من أسلوب الخطابة ، وهو لذلك لا يأتي على أساليب الكتب المؤلّفة للعلم ، أو القوانين الموضوعة للتّشريع ، فأودعت العلوم المقصودة منه في تضاعيف الموعظة والدّعوة ، وكذلك أودع فيه التّشريع ، فلا تجد أحكام نوع من المعاملات كالبيع متّصلا بعضها ببعض ، بل تلفيه موزّعا على حسب ما اقتضته مقامات الموعظة والدّعوة ، ليخفّ تلقّيه على السّامعين ، ويعتادوا علم ما لم يألفوه في أسلوب قد ألفوه ، فكانت متفرّقة يضمّ بعضها إلى بعض بالتّدبّر . ثمّ إنّ إلقاء تلك الأحكام كان في زمان طويل ، يزيد على عشرين سنة ، ألقي إليهم فيها من الأحكام بمقدار ما دعت إليه حاجتهم ، وتحمّلته مقدرتهم . على أنّ بعض تشريعه أصول لا تتغيّر ، وبعضه فروع تختلف باختلاف أحوالهم ، فلذلك تجد بعضها عامّا ، أو مطلقا ، أو مجملا ، وبعضها خاصّا ، أو مقيّدا ، أو مبيّنا . فإذا كان بعض المجتهدين يرى تخصيص عموم بعض عموماته بخصوص بعض الخصوصات مثلا ، فلعلّ بعضا منهم لا يتمسّك إلّا بعمومه حينئذ ، كالّذى يرى الخاصّ الوارد بعد العامّ ناسخا ، فيحتاج إلى تعيين التّاريخ . ثمّ إنّ العلوم الّتي تعرّض لها القرآن هي من العلوم العليا وهي علوم فيما بعد الطّبيعة ، وعلوم مراتب النّفوس ، وعلوم النّظام العمرانيّ ، والحكمة ، وعلوم الحقوق . وفي ضيق اللّغة الموضوعة عن الإيفاء بغايات المرادات في هاته العلوم ، وقصور حالة استعداد أفهام عموم المخاطبين لها ، ما أوجب تشابها في مدلولات الآيات الدّالّة عليها . وإعجاز القرآن : منه إعجاز نظميّ ومنه إعجاز علميّ ، وهو فنّ جليل من الإعجاز بيّنته في المقدّمة العاشرة من مقدّمات هذا التّفسير . فلمّا تعرّض القرآن إلى بعض دلائل الأكوان وخصائصها ، فيما تعرّض إليه ، جاء به محكيّا بعبارة تصلح لحكاية حالته على ما هو في نفس الأمر ، وربّما كان إدراك كنه حالته في نفس الأمر مجهولا لأقوام ، فيعدّون تلك الآي الدّالّة عليه من المتشابه ، فإذا جاء من بعدهم علموا أنّ ما عدّه الّذين قبلهم متشابها ما هو إلّا محكم . على أنّ من مقاصد القرآن أمرين آخرين : أحدهما : كونه شريعة دائمة ، وذلك يقتضي فتح أبواب عباراته لمختلف استنباط المستنبطين ، حتّى تؤخذ منه أحكام الأوّلين والآخرين . وثانيهما : تعويد حملة هذه الشّريعة ، وعلماء هذه الأمّة ، بالتّنقيب ، والبحث ، واستخراج المقاصد من عويصات الأدلّة ، حتّى تكون طبقات علماء الأمّة صالحة